تاريخ النشر: 2026-10-04
لم يعد التنمر مقتصرًا على ساحات المدرسة أو المواجهات المباشرة بين الأطفال، بل انتقل إلى العالم الرقمي ليأخذ شكلًا أكثر انتشارًا وتأثيرًا، وهو ما يُعرف بـ التنمر الإلكتروني. فخلف شاشة الهاتف أو الكمبيوتر قد يتعرض الطفل للسخرية والإهانة ونشر الشائعات أو الصور المحرجة، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى التهديد والإقصاء من المجموعات الإلكترونية.وتكمن خطورة التنمر الإلكتروني في أن الإساءة يمكن أن تنتشر بسرعة وتصل إلى عدد كبير من الأشخاص، مما قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية ودراسية على الطفل، خاصة إذا استمر الأمر دون تدخل أو دعم. لذلك أصبح من الضروري أن يتعرف الآباء والأمهات على أشكال التنمر الإلكتروني وعلاماته، وأن يعرفوا كيف يتعاملون معه بطريقة صحيحة، وكيف يساعدون أطفالهم على حماية أنفسهم ووقف التنمر قبل أن تتفاقم آثاره.في دليلى ميديكال هذا المقال، نتعرف على أشكال التنمر الإلكتروني وأسبابه وعواقبه، وكيفية اكتشاف تعرض الطفل له، وطرق مواجهته والتعامل معه، وأهم الخطوات التي تساعد الأسرة على الحد منه وحماية الأطفال في العالم الرقمي.
التنمر الإلكتروني هو استخدام الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي أو الألعاب الإلكترونية أو غيرها من المنصات الرقمية بهدف إيذاء شخص آخر أو الإساءة إليه بصورة متعمدة، وذلك من خلال إهانته أو السخرية منه أو تهديده أو نشر الشائعات عنه أو مشاركة صوره ومقاطع الفيديو الخاصة به بطريقة تسبب له الإحراج أو الأذى.
تتعدد أشكال التنمر الإلكتروني، ومن أبرزها: توجيه الإهانات والسخرية، ونشر الشائعات والأكاذيب، ومشاركة الصور أو مقاطع الفيديو دون موافقة صاحبها، وانتحال شخصية الآخرين، واستبعاد الطفل عمدًا من المجموعات الإلكترونية، وتهديده أو تخويفه، بالإضافة إلى نشر معلوماته الشخصية بهدف الإساءة إليه أو إحراجه.
يمكن أن تظهر على الطفل مجموعة من العلامات التي تشير إلى تعرضه للتنمر الإلكتروني، مثل الحزن أو القلق المفاجئ، والتوتر عند استخدام الهاتف أو تلقي الرسائل، والابتعاد عن الأصدقاء والعائلة، وعدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، وتراجع المستوى الدراسي، واضطرابات النوم، أو انخفاض ثقته بنفسه.
لا، فليس كل مزاح عبر الإنترنت يُعد تنمرًا إلكترونيًا. يكون المزاح مقبولًا عندما يكون جميع الأطراف مرتاحين له ويشعرون بالمتعة دون تعرض أحدهم للإهانة أو الأذى. أما إذا شعر الطفل بالضيق أو الإحراج، واستمر الطرف الآخر في السخرية منه رغم مطالبته بالتوقف، فقد يتحول هذا السلوك إلى تنمر إلكتروني.
ينبغي الاستماع إلى الطفل بهدوء وتعاطف، وتصديق مشاعره، وتجنب توجيه اللوم إليه أو إشعاره بأنه المسؤول عما حدث. ويمكن مساعدته على توثيق الرسائل أو التعليقات المسيئة والاحتفاظ بالأدلة، ثم حظر الشخص المتنمر والإبلاغ عن الحساب أو المحتوى المسيء. وإذا استمر التنمر أو أثر في الحالة النفسية أو الدراسية للطفل، فمن المهم التواصل مع المدرسة أو الاستعانة بأخصائي مختص عند الحاجة.
يُفضَّل ألا يرد الطفل على المتنمر بالإهانة أو التهديد، لأن الدخول في مشادة إلكترونية قد يؤدي إلى تصعيد المشكلة. والأفضل أن يحتفظ بالأدلة التي توثق الإساءة، ثم يستخدم خاصية الحظر والإبلاغ، ويطلب المساعدة من أحد البالغين الموثوق بهم.
لا يُعد حذف الرسائل أو المنشورات حلًا كافيًا، فقد يكون الآخرون قد حفظوا المحتوى أو شاركوه قبل حذفه. لذلك يُفضَّل توثيق الإساءة أولًا من خلال لقطات الشاشة أو حفظ الرسائل والمعلومات المتعلقة بالحساب المسيء، ثم حذف المحتوى أو الإبلاغ عنه وفقًا للحالة.
يمكن حماية الطفل من خلال ضبط إعدادات الخصوصية في حساباته، واستخدام كلمات مرور قوية، وعدم قبول طلبات التواصل من أشخاص مجهولين، وتجنب مشاركة المعلومات الشخصية أو الصور الخاصة. كما ينبغي تعليمه التفكير جيدًا قبل نشر أي محتوى، وتعريفه بكيفية استخدام أدوات الحظر والإبلاغ عن الحسابات أو المحتوى المسيء.
نعم، فقد يؤدي التعرض المستمر للتنمر الإلكتروني إلى القلق والانشغال والتوتر، مما قد يؤثر في قدرة الطفل على التركيز والانتباه. وقد ينعكس ذلك على أدائه الدراسي، أو يجعله يفقد الرغبة في الذهاب إلى المدرسة أو المشاركة في الأنشطة التعليمية.
نعم، قد يرتبط التنمر الإلكتروني بظهور مشاعر الحزن والقلق والعزلة وانخفاض الثقة بالنفس واضطرابات النوم. وتختلف شدة هذه الآثار من طفل إلى آخر بحسب طبيعة التنمر ومدته ومدى الدعم الذي يتلقاه الطفل من أسرته ومحيطه.
ليس بالضرورة؛ فالمنع الكامل من استخدام الإنترنت قد يزيد شعور الطفل بالعزلة، خاصة إذا كان يعتمد عليه في التواصل مع أصدقائه أو ممارسة هواياته. والأفضل هو معالجة المشكلة من جذورها، وتأمين حسابات الطفل، وحظر المتنمر والإبلاغ عنه، وتعليمه قواعد الاستخدام الآمن، مع تقديم الدعم والمتابعة المناسبة لعمره.
إذا استمر التنمر الإلكتروني لفترة طويلة، أو ظهرت على الطفل علامات واضحة ومستمرة من الضيق النفسي، مثل القلق الشديد أو الانعزال أو اضطرابات النوم أو تراجع الأداء الدراسي والعلاقات الاجتماعية، فمن الأفضل الاستعانة بأخصائي نفسي متخصص في الأطفال أو المراهقين.
ويجب التعامل بجدية مع أي حديث من الطفل عن إيذاء نفسه أو عدم رغبته في الحياة؛ ففي هذه الحالة ينبغي طلب المساعدة الطبية العاجلة، وعدم ترك الطفل بمفرده، مع توفير بيئة آمنة وداعمة له.
تتمثل في توجيه كلمات مهينة أو جارحة إلى شخص آخر، أو كتابة تعليقات تتضمن السخرية منه أو التقليل من شأنه، سواء من خلال الرسائل الخاصة أو التعليقات والمنشورات العامة.
يحدث ذلك من خلال نشر معلومات غير صحيحة أو أخبار كاذبة عن شخص بهدف تشويه سمعته، أو الإضرار بعلاقاته مع أصدقائه وزملائه.
تشمل الاستهزاء بمظهر الشخص أو صوته أو ملابسه أو طريقة حديثه، ونشر تعليقات ساخرة عنه أمام الآخرين بهدف إحراجه أو التقليل من شأنه.
يتمثل في مشاركة صورة أو مقطع فيديو لشخص دون الحصول على موافقته، خاصة إذا كان المحتوى محرجًا أو استُخدم بهدف السخرية منه أو الإساءة إليه.
يحدث عندما ينشئ شخص حسابًا باسم شخص آخر أو يستخدم صوره، ويتظاهر بأنه هو، ثم ينشر من خلال الحساب محتوى مسيئًا أو محرجًا قد يضر بسمعة الشخص الحقيقي.
يتمثل في تعمد استبعاد شخص من مجموعات الدردشة أو الألعاب الإلكترونية أو الأنشطة الرقمية، أو منعه من المشاركة بهدف إشعاره بالرفض أو العزلة والوحدة.
يشمل إرسال رسائل تتضمن التخويف أو التهديد، بهدف إرغام الشخص على القيام بأمر لا يريده أو دفعه إلى الشعور بالخوف وعدم الأمان.
تتمثل في إرسال عدد كبير من الرسائل أو التعليقات المزعجة والمسيئة، أو الاستمرار في التواصل مع الشخص ومضايقته رغم مطالبته بوضوح بالتوقف.
يحدث عند مشاركة معلومات شخصية عن شخص آخر دون إذنه، مثل رقم الهاتف أو العنوان أو بعض التفاصيل الخاصة، بهدف إحراجه أو تعريضه للمضايقة.
يشمل تعديل صور الشخص أو تركيب صور ومقاطع بطريقة ساخرة أو مهينة، ثم نشرها عبر الإنترنت بهدف السخرية منه أو إحراجه أو تشويه صورته أمام الآخرين.
لا يحدث التنمر الإلكتروني نتيجة سبب واحد، وإنما قد يكون ناتجًا عن مجموعة من العوامل الشخصية والاجتماعية والأسرية، إلى جانب طبيعة استخدام الأطفال والمراهقين للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ومن أبرز الأسباب التي قد تدفع إلى ممارسة التنمر الإلكتروني:
قد يلجأ بعض الأشخاص إلى التنمر بهدف إظهار القوة أو فرض السيطرة على الآخرين، ومحاولة الشعور بالتفوق عليهم من خلال الإساءة أو الإهانة.
قد يستخدم بعض الأطفال أو المراهقين السخرية من الآخرين أو نشر محتوى مسيء للحصول على الإعجابات والتعليقات، أو لجذب اهتمام أصدقائهم وزيادة شعبيتهم بينهم.
يمكن أن يكون التنمر ناتجًا عن الغيرة من شخص آخر بسبب مظهره أو نجاحه أو علاقاته الاجتماعية أو الاهتمام الذي يحظى به من الآخرين.
قد يشارك الطفل في التنمر بسبب تأثير أصدقائه أو رغبته في الانضمام إلى مجموعة معينة، والخوف من أن يصبح هو نفسه هدفًا للسخرية أو الاستبعاد إذا رفض المشاركة.
تتيح بعض المنصات الإلكترونية إمكانية استخدام حسابات مجهولة أو أسماء مستعارة، مما قد يمنح بعض الأشخاص شعورًا بأنهم بعيدون عن العواقب، فيتصرفون بطريقة قد لا يجرؤون عليها في الحياة الواقعية.
قد لا يدرك بعض الأطفال أن تعليقًا ساخرًا أو صورة محرجة يمكن أن تسبب أذى نفسيًا كبيرًا للآخرين، كما قد لا يدركون أن المحتوى المنشور عبر الإنترنت يمكن أن ينتشر بسرعة ويصل إلى عدد كبير من الأشخاص.
قد يتعلم الطفل سلوك التنمر من خلال مشاهدة الآخرين وهم يمارسونه، سواء في محيطه الاجتماعي أو من خلال المحتوى الذي يتابعه على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
قد تؤثر بعض المشكلات الأسرية أو الاجتماعية، مثل الخلافات المستمرة أو الشعور بالإهمال أو التعرض للعنف أو صعوبة بناء علاقات صحية، في سلوك الطفل. ومع ذلك، فإن هذه العوامل لا تبرر التنمر ولا تعفي الشخص من المسؤولية عن سلوكه.
قد يلجأ بعض الأشخاص إلى التنمر الإلكتروني كرد فعل على خلاف سابق، أو بسبب اعتقادهم بأن شخصًا آخر أساء إليهم، فيحاولون الانتقام منه عبر الإنترنت.
أدى الانتشار الواسع للهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى جعل التواصل بين الأطفال والمراهقين مستمرًا وسريعًا، وهو ما قد يوفر فرصًا أكبر لحدوث الإساءة وانتشارها على نطاق واسع.
قد لا يخبر الطفل والديه مباشرة بأنه يتعرض للتنمر الإلكتروني، فقد يشعر بالخجل أو الخوف، أو يخشى أن يمنعه والداه من استخدام الهاتف والإنترنت. لذلك، من المهم أن ينتبه الوالدان إلى التغيرات المفاجئة والمستمرة في سلوك الطفل ومشاعره وعلاقاته.
قد تظهر على الطفل تغيرات واضحة في طريقة تعامله مع الهاتف أو حساباته الإلكترونية، ومنها:
الشعور بالتوتر أو الخوف عند وصول إشعار أو رسالة.
التوقف المفاجئ عن استخدام الهاتف أو مواقع التواصل التي كان يستمتع بها.
الاستخدام المفرط للهاتف أو تفقده باستمرار خوفًا من وصول رسائل جديدة.
إغلاق شاشة الهاتف بسرعة أو إخفائه عند اقتراب أحد منه.
رفض الحديث عما يحدث في حساباته، أو إظهار قدر كبير من السرية بشأن نشاطه الإلكتروني.
قد يظهر تأثير التنمر الإلكتروني في صورة تغيرات واضحة في مشاعر الطفل، مثل:
الحزن أو البكاء دون سبب واضح.
الشعور المستمر بالقلق والتوتر.
سرعة الغضب والانفعال.
الشعور بالخوف أو عدم الأمان.
فقدان الحماس للأشياء والأنشطة التي كان يستمتع بها.
انخفاض الثقة بالنفس والشعور بأنه غير محبوب أو غير مقبول من الآخرين.
قد يبدأ الطفل في الابتعاد عن المحيطين به، ومن العلامات التي يمكن ملاحظتها:
تجنب الأصدقاء والابتعاد عنهم.
رفض المشاركة في الأنشطة العائلية أو الاجتماعية.
تفضيل البقاء بمفرده لفترات طويلة.
فقدان الاهتمام بالهوايات والأنشطة التي كان يحبها.
عدم الرغبة في مقابلة زملائه أو التواصل معهم.
يمكن أن يؤثر التنمر الإلكتروني في حياة الطفل الدراسية، وقد يظهر ذلك في صورة:
ضعف التركيز والانتباه.
تراجع المستوى الدراسي.
عدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة.
كثرة الغياب أو محاولة البقاء في المنزل.
الشعور بالقلق عند مقابلة بعض الزملاء.
فقدان الاهتمام بالواجبات والأنشطة المدرسية.
قد تظهر تغيرات في نمط نوم الطفل، مثل:
صعوبة النوم.
الاستيقاظ المتكرر خلال الليل.
رؤية الكوابيس.
النوم لفترات أطول أو أقصر من المعتاد.
الشعور بالتعب والإرهاق خلال النهار.
قد يلاحظ الوالدان تغيرًا في عادات الطفل الغذائية، مثل:
فقدان الشهية.
تناول الطعام بكميات أكبر أو أقل من المعتاد.
فقدان الاهتمام بالأطعمة والوجبات التي كان يفضلها.
يمكن أن يظهر الضغط النفسي الناتج عن التنمر الإلكتروني في صورة بعض الأعراض الجسدية، ومنها:
الصداع المتكرر.
آلام المعدة.
الشعور بالتعب والإرهاق.
الغثيان أو الشعور بالتوتر، خاصة قبل الذهاب إلى المدرسة أو المشاركة في نشاط اجتماعي.
ولا تعني هذه الأعراض بالضرورة أن الطفل يتعرض للتنمر الإلكتروني، فقد تكون لها أسباب صحية أو نفسية أخرى، ولذلك ينبغي النظر إليها ضمن الصورة العامة لحالة الطفل.
إذا كان المتنمر زميلًا للطفل، فقد يشعر الطفل بالخوف من مواجهته في المدرسة، وقد تظهر عليه علامات مثل:
طلب الانتقال إلى فصل آخر أو مدرسة أخرى.
تجنب أماكن أو أشخاص معينين.
اختلاق أسباب لتجنب الذهاب إلى المدرسة.
الشعور بالقلق عند حضور المناسبات التي تجمعه بزملائه.
من العلامات التي تستدعي الانتباه أن يبدأ الطفل في استخدام عبارات تقلل من قيمته أو تعبر عن شعوره بالرفض، مثل:
«لا أحد يحبني.»
«الجميع يكرهني.»
«أنا لا أبدو جيدًا.»
«لا أحد يريد أن يكون صديقي.»
وقد تعكس هذه العبارات ما يسمعه الطفل بصورة متكررة من الأشخاص الذين يتنمرون عليه.
قد يكون الطفل على علم بأنه يتعرض للتنمر، لكنه لا يخبر أسرته، خوفًا من:
أن يمنعه والداه من استخدام الهاتف أو الإنترنت.
زيادة التنمر إذا عرف المتنمر أنه طلب المساعدة.
تعرضه للوم أو السخرية.
فقدان أصدقائه أو حساباته الإلكترونية.
قد يلاحظ الوالدان تغيرًا مفاجئًا في علاقات الطفل واهتماماته، مثل:
فقدان أصدقاء كان قريبًا منهم.
التوقف عن الحديث عن أشخاص كان يرتبط بهم بعلاقة جيدة.
التوقف عن المشاركة في الألعاب الجماعية أو مجموعات الدردشة.
زيادة حساسيته تجاه مظهره أو طريقة حديثه أو الصور التي يظهر فيها.
في بعض الحالات، تكون العلامة واضحة ومباشرة، مثل ظهور:
رسائل تتضمن الإهانة أو التهديد.
تعليقات ساخرة ومتكررة.
حسابات أو صفحات تسخر من الطفل.
صور أو مقاطع فيديو منشورة عنه بهدف إحراجه.
استبعاده عمدًا من مجموعات إلكترونية.
وفي هذه الحالة، يُفضَّل توثيق المحتوى المسيء والاحتفاظ بالأدلة قبل حذفها، ثم استخدام أدوات الحظر والإبلاغ المتاحة على المنصة، مع إخبار شخص بالغ موثوق يمكنه مساعدة الطفل في التعامل مع الموقف.
لا تعني أي علامة منفردة بالضرورة أن الطفل يتعرض للتنمر الإلكتروني، فقد تكون بعض هذه التغيرات طبيعية أو مرتبطة بمرحلة عمرية أو بمشكلة أخرى. لكن ظهور عدة علامات معًا، أو حدوث تغير مفاجئ ومستمر في سلوك الطفل، يستدعي التحدث معه بهدوء ومحاولة معرفة ما يمر به دون لوم أو تهديد.
لا تقتصر آثار التنمر الإلكتروني على لحظة الإساءة، بل قد تمتد لفترات طويلة، خاصة أن المحتوى المسيء يمكن أن ينتشر بسرعة ويصل إلى عدد كبير من الأشخاص، وقد يصعب التحكم في تداوله بعد نشره. كما قد يؤثر التنمر في الحالة النفسية والاجتماعية والدراسية للطفل. ومن أبرز مخاطره:
قد يؤدي التعرض المستمر للتنمر الإلكتروني إلى شعور الطفل بالحزن والقلق والخوف والإحباط، وقد يفقد شعوره بالأمان والراحة، خاصة إذا كان لا يعرف متى ستتكرر الإساءة أو أين يمكن أن تنتشر.
قد تؤدي السخرية والإهانات المتكررة إلى تكوين صورة سلبية لدى الطفل عن نفسه، فيبدأ في الشك في قدراته أو مظهره أو قيمته، وقد يشعر بأنه أقل من الآخرين أو غير جدير بالقبول.
قد يدفع التنمر الطفل إلى الابتعاد عن أصدقائه وأفراد أسرته، وتجنب المناسبات والأنشطة الاجتماعية التي كان يستمتع بها، مفضلًا البقاء بمفرده خوفًا من التعرض لمزيد من الإحراج أو السخرية.
يمكن أن يؤثر القلق والانشغال المستمر بما يحدث على الإنترنت في قدرة الطفل على التركيز والانتباه، مما قد يؤدي إلى تراجع مستواه الدراسي، وفقدان اهتمامه بالواجبات والأنشطة التعليمية.
قد يعاني الطفل من صعوبة في النوم أو الاستيقاظ المتكرر خلال الليل أو رؤية الكوابيس، نتيجة التفكير المستمر في الإساءة أو الخوف من تكرارها وانتشارها.
قد يظهر الضغط النفسي في صورة بعض الأعراض الجسدية، مثل الصداع أو آلام المعدة أو الشعور المستمر بالتعب والإرهاق. ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن هذه الأعراض ناتجة عن التنمر دون استبعاد الأسباب الصحية الأخرى عند الحاجة.
قد يصبح الطفل مترددًا أو خائفًا من استخدام الهاتف أو مواقع التواصل الاجتماعي أو الألعاب الإلكترونية التي كان يستمتع بها، خشية التعرض مرة أخرى للإساءة أو رؤية محتوى مسيء عنه.
قد تؤدي الشائعات أو الصور والمعلومات المحرجة التي يتم نشرها عبر الإنترنت إلى التأثير في علاقة الطفل بأصدقائه وزملائه، وقد تجعله يشعر بالرفض أو الإحراج أو فقدان الثقة في الآخرين.
من أبرز مخاطر التنمر الإلكتروني أن المحتوى المسيء، مثل الصور أو مقاطع الفيديو أو المنشورات، يمكن نسخه وحفظه وإعادة مشاركته مع عدد كبير من الأشخاص. ولذلك قد يكون من الصعب السيطرة على انتشاره أو إزالته بالكامل بعد نشره.
عندما يستمر التنمر لفترة طويلة أو يكون شديدًا، قد يعاني الطفل من ضيق نفسي بالغ يؤثر في حياته اليومية. لذلك ينبغي التعامل بجدية مع أي حديث من الطفل عن إيذاء نفسه أو عدم رغبته في الحياة، وطلب المساعدة الطبية أو النفسية المتخصصة فورًا، مع عدم ترك الطفل بمفرده في مثل هذه الحالات.
تحتاج مواجهة التنمر الإلكتروني إلى الهدوء والتصرف بطريقة منظمة ومدروسة؛ لأن الرد بالغضب أو الدخول في مشاجرة إلكترونية قد يؤدي إلى تصعيد المشكلة. ويمكن للطفل وأسرته اتباع مجموعة من الخطوات التي تساعد على الحد من التنمر وحماية الطفل من آثاره.
يُفضَّل ألا يدخل الطفل في جدال مع المتنمر، وألا يرد عليه بالإهانات أو التهديدات؛ لأن المتنمر قد يكون هدفه استفزازه ودفعه إلى الرد. ويمكن تعليم الطفل أن عدم الرد لا يعني الضعف، بل يساعد على عدم تصعيد الموقف.
قبل حذف الرسائل أو المنشورات المسيئة، ينبغي توثيقها والاحتفاظ بالأدلة، مثل:
لقطات الشاشة للرسائل والتعليقات.
اسم الحساب أو اسم المستخدم.
تاريخ ووقت حدوث الإساءة.
روابط المنشورات أو الحسابات، إن أمكن.
الصور أو مقاطع الفيديو المستخدمة في التنمر.
وقد تكون هذه الأدلة مهمة عند الإبلاغ عن التنمر للمنصة أو المدرسة أو الجهات المختصة.
يمكن استخدام خاصية الحظر لمنع المتنمر من إرسال الرسائل أو التعليق أو التواصل مع الطفل، وفقًا للخصائص التي توفرها المنصة المستخدمة.
توفر معظم منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية أدوات للإبلاغ عن المحتوى المخالف، مثل:
الإساءة والشتائم.
التهديدات.
الحسابات المزيفة.
المحتوى المهين أو المحرج.
المضايقات المتكررة.
ويُفضَّل أن يساعد أحد الوالدين الطفل في عملية الإبلاغ، خاصة إذا كان صغير السن.
ينبغي مراجعة إعدادات الخصوصية في حسابات الطفل والتأكد من:
جعل الحساب خاصًا إذا كان ذلك مناسبًا لعمر الطفل.
تحديد الأشخاص الذين يمكنهم إرسال الرسائل إليه.
التحكم في الأشخاص الذين يمكنهم التعليق على منشوراته.
عدم قبول طلبات الصداقة أو المتابعة من أشخاص مجهولين.
عدم مشاركة الموقع الجغرافي أو المعلومات الشخصية مع الآخرين.
ينبغي تعليم الطفل عدم نشر أو إرسال معلومات شخصية يمكن إساءة استخدامها، مثل:
عنوان المنزل.
رقم الهاتف.
اسم المدرسة ومواعيد الذهاب إليها.
كلمات المرور.
الصور الخاصة.
المعلومات العائلية الحساسة.
وكلما زادت المعلومات الشخصية المتاحة للآخرين، زادت احتمالية إساءة استخدامها.
لا ينبغي أن يواجه الطفل التنمر الإلكتروني بمفرده. ومن المهم أن يعرف أنه يستطيع اللجوء إلى والديه أو أحد أفراد أسرته الموثوقين، أو إلى المعلم والمرشد المدرسي أو أي شخص بالغ يثق به.
كما ينبغي أن يشعر الطفل بأنه لن يتعرض للعقاب أو اللوم لمجرد أنه طلب المساعدة.
عندما يخبر الطفل والديه بأنه تعرض للتنمر، ينبغي تجنب توجيه اللوم إليه أو إشعاره بأنه المسؤول عما حدث.
بدلًا من ذلك، يمكن طمأنته بعبارات داعمة مثل: «نحن نصدقك، ولسنا غاضبين منك، وسنساعدك على حل المشكلة.»
إذا كان المتنمر زميلًا للطفل في المدرسة، أو كان التنمر يؤثر في حياته الدراسية، فمن المهم التواصل مع المدرسة أو المسؤول المختص، مع تقديم الأدلة المتاحة للمساعدة في التعامل مع المشكلة.
إذا استمر التنمر، أو ظهرت على الطفل علامات واضحة من الضيق النفسي، مثل الحزن الشديد أو القلق المستمر أو العزلة أو اضطرابات النوم أو تراجع الأداء الدراسي، فقد يكون من المفيد الاستعانة بأخصائي نفسي متخصص في الأطفال أو المراهقين.
وإذا تحدث الطفل عن إيذاء نفسه أو الانتحار، فيجب التعامل مع الأمر بجدية شديدة، وعدم تركه بمفرده، وطلب المساعدة الطبية أو الطارئة فورًا.
لا تقتصر مواجهة التنمر الإلكتروني على التعامل مع المشكلة بعد حدوثها، بل تشمل أيضًا تعليم الطفل كيفية استخدام الإنترنت بطريقة آمنة ومسؤولة، ومن ذلك:
حماية الحسابات وكلمات المرور.
معرفة كيفية استخدام أدوات الحظر والإبلاغ.
التفكير جيدًا قبل نشر الصور أو التعليقات.
عدم مشاركة محتوى الآخرين دون موافقتهم.
احترام الآخرين عند التواصل عبر الإنترنت.
طلب المساعدة من شخص بالغ عند مواجهة أي مشكلة.
من المهم ألا يصبح التنمر محور حياة الطفل بالكامل. لذلك ينبغي مساعدته على ممارسة الأنشطة التي يحبها، وقضاء الوقت مع الأشخاص الذين يشعر معهم بالأمان، وممارسة الهوايات والرياضة، والحفاظ قدر الإمكان على روتين النوم والدراسة والحياة اليومية.