تاريخ النشر: 2026-09-19
تخيّل أن تستيقظ يومًا وتجد نفسك غير قادر على التعرّف على وجوه الأشخاص من حولك، حتى أولئك الذين تراهم باستمرار وتجمعك بهم ذكريات عديدة. قد يبدو الأمر غريبًا أو أشبه بمشهد من فيلم، لكنه في الحقيقة حالة عصبية تُعرف باسم عمى التعرّف على الوجوه (Prosopagnosia). ويعاني الأشخاص المصابون بهذه الحالة من صعوبة في التعرّف على الوجوه أو تمييزها، رغم أن قدرتهم على رؤية ملامح الوجه بشكل طبيعي قد تكون سليمة. وتكشف فى دليلى ميديكال هذه الحالة جانبًا معقدًا من طريقة عمل الدماغ في معالجة المعلومات البصرية والتعرّف على الأشخاص، مما يجعل دراستها مهمة لفهم العلاقة بين الرؤية والذاكرة والتعرّف الاجتماعي
عمى التعرّف على الوجوه (Prosopagnosia) هو اضطراب عصبي إدراكي يواجه فيه الشخص صعوبة شديدة، أو عجزًا، عن التعرّف إلى الوجوه أو تذكّرها، حتى وإن كانت وجوه أشخاص مقرّبين منه أو أفراد من عائلته. ويحدث ذلك رغم سلامة البصر والقدرات العامة على التذكّر؛ إذ تكمن المشكلة في كيفية معالجة الدماغ للمعلومات البصرية المرتبطة بالوجوه والتعرّف إلى هويات أصحابها.
لا. فالشخص المصاب بعمى التعرّف على الوجوه قد تكون حاسة البصر لديه سليمة، ويستطيع رؤية تفاصيل الوجه بوضوح، مثل العينين والأنف والفم. كما يستطيع عادةً قراءة الكلمات، والتعرّف إلى الأشياء والسيارات والأماكن من حوله. وتتمثل الصعوبة الأساسية في قدرة الدماغ على دمج ملامح الوجه وتفسيرها بطريقة تمكّنه من تحديد هوية الشخص.
نعم. هناك نوع يُعرف باسم عمى التعرّف على الوجوه المكتسب (Acquired Prosopagnosia)، ويحدث لدى أشخاص كانت لديهم في السابق قدرة طبيعية على التعرّف إلى الوجوه، ثم فقدوا هذه القدرة نتيجة حدوث ضرر في مناطق معينة من الدماغ. وقد يرتبط ذلك بأسباب مختلفة، مثل السكتة الدماغية، أو إصابات الرأس الشديدة، أو بعض أورام الدماغ.
قد يكون للعوامل الوراثية دور مهم، ولا سيما في حالة عمى التعرّف على الوجوه النمائي، الذي يظهر منذ الطفولة دون وجود إصابة دماغية معروفة. وتشير الدراسات إلى وجود مكوّن وراثي لدى بعض الحالات، إذ قد تظهر صعوبات مشابهة في التعرّف إلى الوجوه لدى أفراد آخرين من العائلة.
يعتمد المصابون على وسائل بديلة لتعويض العجز البصري، كالاستدلال على الأشخاص من نبرات أصواتهم، أو طريقة مشيهم، أو إكسسواراتهم البارزة. ورغم ذلك، قد توقعهم الحالة أحياناً في مواقف محرجة -كعدم التعرف على الأصدقاء في الطرقات- مما يولد لدى بعضهم شعوراً بالقلق والتوتر خلال التجمعات الاجتماعية.
يواجه المصابون صعوبات بالغة في متابعة الأفلام والمسلسلات؛ ويعود ذلك لتغير أزياء الممثلين، أو تسريحات شعورهم، فضلاً عن اختلاف زوايا الإضاءة وتشابه الملامح بين الشخصيات. هذا الأمر يعرقل قدرتهم على تمييز البطل من الشرير أو فهم تطور الحبكة الدرامية المرتبطة بالشخصيات، مما يدفع الكثيرين منهم إلى الاكتفاء بالتركيز على الأصوات أو العزوف عن متابعة الأعمال الدرامية المعقدة كلياً.
أثبتت الدراسات العصبية وجود صلة أو تداخل محتمل بين عمى الوجوه التنموي واضطراب طيف التوحد (ASD). فالعديد من المصابين بطيف التوحد يعانون بدورهم من صعوبات في معالجة الوجوه أو تجنب التواصل البصري؛ بيد أنه ينبغي التمييز بينهما؛ فعمى الوجوه يُعدّ عجزاً خاصاً ومحصوراً في التعرف على الهوية البصرية للوجه، في حين يغطي طيف التوحد نطاقاً أشمل بكثير من التحديات الاجتماعية والتواصلية والحسية.
ينقسم المصابون في هذا الجانب إلى فئتين رئيسيتين:
عمى الوجوه الصافي (Pure Prosopagnosia): تقتصر المشكلة حصراً على وجوه البشر، مع احتفاظ المصاب بقدرته التامة على تمييز حيواناته الأليفة، أو سيارته، أو المقتنيات الأخرى بدقة.
عمى الوجوه المصاحب (Associated Agnosia): يمتد العجز لديهم ليشمل أحياناً صعوبة التمييز بين الفئات البصرية المعقدة والمتشابهة؛ كالتفريق بين أنواع معينة من الطيور، أو الطرازات المتشابهة من السيارات، أو حتى إدراك التعبيرات الدقيقة على الوجوه (كالغضب والسرور).
يُعرّف عمى الوجوه بأنه اضطراب عصبي يتسم بعجز الشخص عن تمييز أو التعرف على الوجوه المألوفة (وقد تشمل وجهه في المرآة أحياناً)، رغم سلامة حاسة الإبصار والقدرات العقلية العامة. ويتم تصنيفه أساساً بناءً على سبب الإصابة وكذلك طبيعة الخلل الإدراكي.
عمى الوجوه التنموي أو الخلقي (Developmental / Congenital Prosopagnosia):
وصفه: يولد الشخص به أو يصيبه في مرحلة الطفولة المبكرة، دون أن يتعرض لأي إصابة أو تلف دماغي واضح.
عمى الوجوه المكتسب (Acquired Prosopagnosia):
وصفه: يحدث لدى أشخاص كانوا يمتلكون قدرة طبيعية تماماً على تمييز الوجوه، ثم فقدوها فجأة نتيجة ظرف طارئ (كإصابة دماغية أو سكتة).
(ينقسم هذا التصنيف -خصوصاً في النوع المكتسب منه- استناداً إلى طريقة تأثر المعالجة البصرية في الدماغ إلى نوعين رئيسيين، كما تشير تقارير وتصنيفات الشؤون الصحية الطبية):
عمى الوجوه الإدراكي أو الاستقبالي (Apperceptive Prosopagnosia):
طبيعته: يعاني المصاب من خلل في القدرة على إدراك وتكوين صورة بصرية متكاملة لبنية الوجه.
النتيجة: لا يستطيع المريض تمييز ملامح الوجه أو مقارنة وجه بآخر، وغالباً يواجه صعوبة في التعرف حتى على الاختلافات البسيطة بين أشكال الوجوه المختلفة.
عمى الوجوه الترابطي أو الذاكري (Associative Prosopagnosia):
طبيعته: تكون القدرة البصرية على رؤية الوجه وتفاصيله سليمة تماماً، ويستطيع الشخص إدراك أن ما يراه هو "وجه" وتحديد ملامحه بدقة.
النتيجة: العجز يكمن في ربط هذا الوجه بهويته أو بمعلوماته المخزنة في الذاكرة؛ حيث يرى المريض الوجه بوضوح ولكنه يعجز عن معرفة لمن يتبع (كأن يرى وجه صديقه المقرب بوضوح تام، لكن عقله يغفل عن ربطه باسمه أو هويته).
ينقسم عمى الوجوه طبياً وعصبياً إلى قسمين رئيسيين: الأسباب النمائية/الوراثية، والأسباب المكتسبة الناتجة عن تلف الدماغ.
في هذا النوع، يولد الشخص مصاباً بالحالة أو تظهر عليه منذ الطفولة المبكرة دون التعرض لأي إصابة دماغية ظاهرة، وت,زى الأسباب إلى عوامل بيولوجية وتكونية:
العوامل الوراثية والجينية: أثبتت الدراسات الحديثة دور الوراثة الرئيسي؛ إذ لوحظ أن نسبة كبيرة من المصابين بالنوع الخلقي لديهم أقارب من الدرجة الأولى يعانون من نفس المشكلة، مما يشير إلى وجود طفرات أو سمات جينية مسؤولة عن خلل في تكوين الدماغ.
خلل في التطور العصبي (Neurodevelopmental Aberrations): أثناء نمو الجنين وتطور الدماغ في الطفولة المبكرة، قد يحدث اضطراب في بناء الوصلات العصبية والمسارات المسؤولة عن التواصل بين الفص القذالي (المسؤول عن الرؤية) والتلفيف المغزلي (المسؤول عن معالجة الوجوه).
عوامل الحمل والولادة: تشير بعض الفرضيات إلى أن التعرض لمضاعفات طفيفة أثناء الحمل أو الولادة (مثل نقص الأكسجين المؤقت أو الولادة المبكرة جداً) قد يؤثر على النمو الطبيعي للمراكز البصرية الدقيقة في الدماغ.
يحدث هذا النوع لأشخاص كانوا يمتلكون قدرة طبيعية تماماً على التعرف على الوجوه، ثم فقدوها فجأة نتيجة تلف أو إصابة عضوية في الدماغ، وتتركز الإصابة غالباً في منطقة التلفيف المغزلي (Fusiform Gyrus) الواقع في تقاطع الفصين الصدغي والقذالي (منطقة الوجوه المغزلية - FFA):
السكتات الدماغية (Strokes):
من أكثر الأسباب شيوعاً.
تحدث نتيجة انقطع الدم عن الشرايين المغذية للمناطق الخلفية والصدغية من الدماغ (خصوصاً في الجانبين الأيمن والأيسر معاً، أو الأيمن بشكل رئيسي)، مما يؤدي لموت الخلايا العصبية المسؤولة عن إدراك الوجوه.
إصابات الرأس الرضّية (Traumatic Brain Injury):
ناتجة عن حوادث السير القوية، أو السقوط الخطير، أو الإصابات الرياضية العنيفة.
يؤدي الاصطدام إلى كدمات أو نزيف في أنسجة الدماغ الخلفية، أو تمزق المحاور العصبية المسؤولة عن نقل الإشارات البصرية المعقدة.
أورام الدماغ والعمليات الجراحية:
يضغط نمو الأورام (حميدة أو خبيثة) في الفص الصدغي أو القذالي على المراكز الحيوية لمعالجة الوجوه ويعطل وظيفتها.
قد يحدث الإصابة كعرض جانبي لتدخل جراحي لإزالة ورم أو بؤرة صرعية في تلك المنطقة الحساسة.
الأمراض التنكسية العصبيّة (Neurodegenerative Diseases):
مثل مرض ألزهايمر أو "الخرف الجبهي الصدغي" (Frontotemporal Dementia).
تؤدي إلى تدهور وتلف تدريجي في الخلايا العصبية عبر الزمن، مما يشمل مراكز الذاكرة والتعرف البصري.
الالتهابات والأمراض العصبية:
التهابات الدماغ الفيروسية (مثل التهاب الدماغ الهربسي - Herpes Encephalitis) أو البكتيرية التي تترك ندبات وتلفاً دائماً في أنسجة الفص الصدغي.
التسمم أو نقص التروية المؤقت (مثل السكتات الوعائية الدقيقة).
تتفاوت حدة أعراض عمى الوجوه (Prosopagnosia) من شخص لآخر، إلا أنها تدور جميعها حول العجز عن تمييز الوجوه أو ربطها بأصحابها، على الرغم من سلامة حاسة الإبصار والقدرة العقلية العامة.
عدم التعرف على الوجوه المألوفة: يواجه المصاب صعوبة بالغة في التعرف على وجوه أفراد أسرته المقربين، أو أصدقائه، أو زملائه في العمل، سيما إذا التقى بهم خارج سياقهم المعتاد.
عدم التعرف على الوجه الشخصي (في الحالات الشديدة): قد يقف المصاب أمام المرآة عاجزاً عن التعرف على انعكاس وجهه الخاص، أو قد يتفاجأ لدى رؤية صورته القديمة أو الحديثة متسائلًا عن هوية صاحب هذه الصورة.
مشاكل مع الشخصيات العامة: يعاني المصاب من صعوبة تامة في تمييز وجوه المشاهير، أو السياسيين، أو الممثلين، وغالباً ما يعجز عن متابعة الأفلام والمسلسلات لعدم قدرته على التمييز بين الشخصيات والأدوار المختلفة.
الاعتماد على إشارات بديلة: نظراً لعجز المصاب عن حفظ الوجوه، فانه يطور استراتيجيات تعويضية قسرية، مثل التعرف على الأشخاص من خلال:
نبرة الصوت أو طريقة الكلام.
قصة الشعر، أو لونه، أو تسريحته.
طريقة المشي، أو لغة الجسد، والحركات الجسدية المميزة.
الملابس البارزة، أو النظارات، أو الإكسسوارات.
المواقف المحرجة والانسحاب الاجتماعي: غالباً ما يتعرض المصاب لمواقف محرجة؛ كأن يمر بجانب صديق حميم في الشارع ولا يلقي عليه التحية لعدم تعرّفه عليه، أو قد يوبخ شخصاً غريباً ظناً منه أنه صديق له. وهذا الأمر يدفع بعض المصابين إلى تجنب التجمعات أو الإصابة بالقلق الاجتماعي.
صعوبة التعرف على الشخصيات في السياقات الجديدة: إذا رأى المصاب زميل عمله في الشارع أو المتجر (خارج بيئة العمل المعتادة)، يفشل دماغه تماماً في ربط وجهه بالمكان أو الهوية.
اضطرابات المجال البصري: في حالات عمى الوجوه المكتسب الناجمة عن سكتة دماغية أو إصابة رضية، قد يعاني المصاب من مشكلات بصرية أخرى مثل فقدان جزء من مجال الرؤية (العمى الشقي).
صعوبة في تمييز الأشياء الأخرى (أحياناً): قد يواجه بعض المصابين صعوبة طفيفة في التمييز بين الأشياء التي تتشابه في بنيتها البصرية المعقدة، مثل: السيارات، أو أصناف الحيوانات المختلفة، أو حتى دلالات التعبيرات العاطفية على الوجوه (كالفرق بين الابتسامة والعبوس).
نقطة جوهرية: المصاب بعمى الوجوه ليس كفيفاً؛ فهو يُبصر تفاصيل الوجه بوضوح تام (ويستطيع أن يصف لك العين، الأنف، والفم بدقة)، غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في عجز الدماغ عن معالجة هذه التفاصيل معاً كوحدة متكاملة تُعرّف بهوية الشخص.
يبدأ الطبيب (المختص عادةً في طب الأعصاب أو علم النفس العصبي) باستجواب المريض للوقوف على طبيعة الصعوبات التي يواجهها ونقطة بدايتها.
التفريق بين النوعين: يتم تحديد ما إذا كانت الحالة خلقية وتنموية (لازمَت الشخص طوال حياته منذ طفولته) أم مكتسبة (طَارئة ظهرت فجأة بعد تعرضه لحادث أو سكتة دماغية)، إذ يوجه هذا التحديد الطبيب لاختيار الفحوصات الملائمة.
يعتمد التشخيص العلمي بصورة أساسية على اختبارات مقننة تقيس بدقة كفاءة الدماغ في معالجة الوجوه، ومن أبرزها:
اختبار ذاكرة الوجوه بكامبرج (Cambridge Face Memory Test - CFMT):
يُعد المعيار الذهبي والأكثر استخداماً على النطاق العالمي.
يُطلب فيه من المريض حفظ مجموعة من الوجوه غير المألوفة، ثم استعراضها والتعرف عليها من بين صور أخرى التُقطت بزوايا أو إضاءات مختلفة؛ لتقييم كفاءة الذاكرة البصرية للوجوه.
اختبار بنتون لتمييز الوجوه (Benton Facial Recognition Test - BFRT):
يقيس قدرة الفحص على مطابقة صور وجوه معروضة من زوايا متباينة أو تحت ظروف إضاءة مغايرة، للتأكد من قدرته على تمييز الملامح الأساسية للوجه.
اختبارات تقييم الوجوه المشهورة:
تُعرض على المريض صور لشخصيات عامة أو نجوم معروفين لقياس مدى قدرته على ربط هذه الوجوه بهوياتها المحفوظة مسبقاً.
مؤشر عمى الوجوه (PI20): استبيان يتألف من 20 بنداً يقوم الشخص بتعبئته بنفسه لتقييم مدى تأثير صعوبات التعرف على الوجوه على تفاصيل حياته اليومية والاجتماعية.
للتأكد من أن المشكلة مقتصرة حصرياً على معالجة الوجوه وليست ناجمة عن اضطرابات أخرى، يُجري الطبيب ما يلي:
فحص شامل للنظر: لاستبعاد أي أمراض عضوية في العين أو المسارات العصبية البصرية المرتبطة بكفاءة الإبصار العامة.
اختبارات الذاكرة والوظائف الإدراكية العامة: للتأكد من سلامة الذاكرة بصفة عامة، ونفي وجود خرف شامل أو عجز معرفي واسع النطاق.
إذا اشتبه الطبيب في أن الحالة ناتجة عن إصابة أو تلف عضوي مفاجئ، فيتم اللجوء إلى تقنيات التصوير الشعاعي المتقدمة، مثل:
التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI): للكشف عن أي تلف نسيجي أو سكتة دماغية قديمة أو حديثة في منطقة التلفيف المغزلي (Fusiform Gyrus) أو الفصين الصدغي والقذالي.
التصوير المقطعي المحوسب (CT Scan): عند الحاجة الملحة لاستبعاد الأورام أو النزيف الدماغي الطارئ.
علاج عمى الوجوه (Prosopagnosia) بالأدوية؟
طبيعة المشكلة هيكلية وليست كيميائية: عمى الوجوه ليس اضطراباً ناتجاً عن خلل في النواقل العصبية (كمستويات السيروتونين أو الدوبامين كما في حالات الاكتئاب أو القلق)، بل هو قصور في بنية وتكوين الشبكات العصبية داخل الدماغ (تحديداً في منطقة التلفيف المغزلي)، إما لأسباب جينية وتنموية منذ الولادة، أو نتيجة تلف عضوي محدد (كالسكتات الدماغية أو الإصابات). وعليه، تعجز الأدوية عن إعادة بناء الخلايا العصبية التالفة أو استعادة المسارات المفقودة الخاصة بمعالجة الوجوه.
سلامة العين وأعصاب الإبصار: نظراً لأن موطن الخلل يكمن في "البرمجية التفسيرية" للوجوه داخل الدماغ وليست في العين ذاتها، فإن استخدام الأدوية أو القطرات العيُّنية لا يجدِ نفعاً نهائياً.
في بعض حالات عمى الوجوه المكتسب (الناتج عن مرض أو إصابة مفاجئة)، قد يصف الأطباء علاجات دوائية تستهدف المسبب الأساسي للإصابة، ومنها:
الأدوية المضادة للالتهابات أو المضادات الحيوية: وتُستخدم إذا كان التلف الدماغي ناجمًا عن عدوى أو التهاب في الدماغ (مثل التهاب الدماغ الهربسي).
أدوية السكتات الدماغية وجلطات الدم: تشمل مميعات الدم وأدوية خفض الضغط لمنع تفاقم السكتة أو الوقاية من سكتات لاحقة، علمًا بأن هذه الأدوية لا تعالج عجز التعرف على الوجوه الحاصل بالفعل، بل تهدف إلى حماية ما تبقي من وظائف الدماغ.
قد يختبر بعض المصابين بعمى الوجوه مضاعفات وتحديات نفسية تبعية، مثل:
القلق الاجتماعي الحاد أو الاكتئاب نتيجة تكرار المواقف المحرجة والدخول في حالة من العزلة.
في هذه الحالات تحديداً، قد يصف الطبيب النفسي أدوية مضادة للاكتئاب أو للقلق بهدف تحسين جودة حياة المريض، مع التأكيد المستمر على أن هذه الأدوية تعالج الأعراض النفسية المصاحبة وليست علاجاً شافياً لاضطراب عمى الوجوه ذاته.
نظراً لعدم جدوى الأدوية في علاج أصل المشكلة، يعتمد التعامل الطبي والتأهيلي بشكل كلي على برامج التأهيل غير الدوائي والاستراتيجيات التعويضية، والتي تتمثل في:
التدريب على الإشارات البديلة: تدريب المريض بوعي على التركيز على تفاصيل أخرى كالتركيز على نبرة الصوت، أو تسريحة أو لون الشعر، أو طريقة المشي، والإكسسوارات للتعرف على الأشخاص.
التدريبات المعرفية: تطبيق برامج إعادة تأهيل عصبية تسهم في تحسين مهارات الانتباه للتفاصيل الجزئية، والاعتماد على الذاكرة السمعية والنصية كبدائل فعالة للذاكرة البصرية الوجوهية.
لا تُلجأ إلى التدخل الجراحي إلا في حالات محددة جداً من عمى الوجوه المكتسب، وذلك عندما يكون العجز ناشئاً عن أسباب ضاغطة أو آفات مرضية قابلة للاستئصال في الدماغ، ومن أبرزها:
أورام الدماغ (Brain Tumors): وتحدث عندما يشكل ورم ما ضغطاً مباشراً على منطقة التلفيف المغزلي (Fusiform Gyrus) أو المناطق المجاورة لها في الفصين الصدغي أو القذالي، حيث يهدف الاستئصال الجراحي للورم إلى رفع هذا الضغط عن الأنسجة العصبية.
التشوهات الدموية أو النزيف الضاغط: وتشمل التجمعات الدموية المتأتية عن الإصابات أو حالات تمدد الأوعية الدموية (Aneurysms)، والتي تستدعي تدخلاً جراحياً لتفريغها وتخفيف حدة الضرر الواقع على المراكز البصرية في الدماغ.
في الحالات الناتجة عن أورام أو ضغط موضعي: الغاية القصوى من الجراحة تتمثل في إنقاذ حياة المريض، أو كبح جماح تدهور حالته، أو حماية الوظائف الدماغية المتبقية. أما استعادة القدرة على تمييز الوجوه عقب إزالة الورم فتبقى "احتمالاً غير مؤكد"، وتتوقف كلياً على مدى حجم الضرر الذي لحق بالخلايا العصبية الحساسة قبل إجراء العملية.
في حالات السكتات الدماغية التلفية: إذا وقع تلف في أنسجة الدماغ نتيجة موت الخلايا إثر جلطة أو نقص حاد في التروية الدموية، فإن الجراحة تصبح عديمة الجدوى تماماً، نظراً لاستحالة إحياء الخلايا الميتة أو ترميمها جراحياً.
في حالات عمى الوجوه التنموي أو الخلقي: الجراحة ممنوعة ومستحيلة تماماً، لانعدام وجود أي كتل مرضية أو أنسجة تالفة يمكن استئصالها، حيث ترتبط المشكلة في هذا النوع بالبنية والتطور العصبي الطبيعي للفرد منذ ولادته.
حين يرتئي جراح الأعصاب ضرورة التدخل الجراحي لاستئصال ورم ضاغط مسبب للمشكلة، يتم الإجراء وفق المراحل الآتية:
التصوير المسبق الدقيق: الاستعانة بالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وأنظمة التصوير الملاحي العصبي لتعيين موقع الورم بدقة متناهية، تفادياً لإلحاق الأضرار بالمراكز الحيوية الحاكمة للنطق، أو الحركة، أو الإبصار الأساسي.
فتح جمجمة المريض (Craniotomy): تنفيذ شق جراحي دقيق في فروة الرأس مع إزالة جزء مصغر من عظمة الجمجمة للوصول إلى النطاق المصاب داخل الفص الصدغي أو القذالي.
المجهر الجراحي أو الجراحة بمساعدة الحاسوب: إجراء عملية الاستئصال للورم أو تفريغ الضغط بعناية فائقة تحت المجهر الجراحي؛ بهدف تقليل أي تلف إضافي قد يطال الأنسجة المحيطة.
مراقبة ضغط الدم بانتظام: يُعد ارتفاع ضغط الدم المسبب الأبرز للنزيف والسكتات الدماغية التي قد تُلحق الضرر بالمناطق الدماغية المسؤولة عن معالجة الوجوه.
إدارة مرض السكري وأمراض القلب: بالحفاظ على مستويات السكر في الدم ضمن النطاق الطبيعي، والالتزام بتناول الأدوية الموصوفة بانتظام لمنع تكون الجلطات.
اتباع نظام غذائي صحي وممارسة الرياضة: للحد من مستويات الكوليسترول الضار والحفاظ على مرونة الأوعية الدموية في الجسم والدماغ.
ارتداء معدات الحماية: استخدام خوذات الرأس الواقية عند ركوب الدراجات الهوائية والنارية، أو ممارسة الرياضات العنيفة والخطرة التي قد تعرّض الرأس لارتطامات قوية.
ربط حزام الأمان: الحرص الدائم على استخدامه أثناء قيادة أو استقلال السيارات لتفادي الإصابات الرضّية الدماغية الناتجة عن الحوادث المرورية.
تأمين البيئة المنزلية (خصوصاً لكبار السن): إزالة السجاد القابل للانزلاق، وتوفير إضاءة كافية وواضحة في الممرات؛ لتجنب السقوط والإصابات الرأسية المفاجئة.
الابتعاد عن التدخين والمخدرات: لما لها من دور كبير في مضاعفة خطر الإصابة بتصلب الشرايين والسكتات الدماغية.
التعامل مع التوتر والقلق: عبر ممارسة تقنيات الاسترخاء المختلفة لحماية صحة الجهاز العصبي والدورة الدموية بشكل عام.