تاريخ النشر: 2026-09-17
تخيل أن تستيقظ وتذهب إلى عملك أو تقود سيارتك، لتتفاجأ باتهامك بتناول الكحول، رغم أنك لم تلمس قطرة واحدة منه طوال حياتك! يبدو الأمر كأنه سيناريو من فيلم خيالي، لكنه للأسف واقع مذهل ومؤلم يعيشه مصابو متلازمة التخمير الذاتي (Auto-Brewery Syndrome).يُعرف هذا المرض النادر أيضاً بـ "متلازمة تخمر الأمعاء"، وهو حالة طبية معقدة يتحول فيها جسم الإنسان إلى أشبه بـ "مصنع كحول بشري"، حيث تقوم الكائنات الدقيقة والفطريات داخل الجهاز الهضمي بتخمير الكربوهيدرات والسكريات البسيطة إلى إيثانول حقيقي يمتصه الدم. فكيف يحدث هذا الخلل الغريب؟ وما هي أعراضه وعلاجه؟ وكيف تحمي نفسك منه؟ دعونا فى دليلى ميديكال نأخذك في رحلة تفصيلية لأسرار هذا المرض الغامض.
هي حالة طبية نادرة جداً، ينتج فيها الجسم الكحول (الإيثانول) داخل الجهاز الهضمي بشكل طبيعي، ودون أن يتناول الشخص أي مشروبات كحولية نهائياً.
نعم. في هذه المتلازمة النادرة، تقوم الكائنات الدقيقة في الأمعاء بتخمير الكربوهيدرات وتحويلها إلى كحول يمتصه الجسم. هذا الأمر غير شائع أبداً، ويحتاج دائماً إلى فحص وتقييم طبي لتحديد السبب بدقة.
نعم، يمكن أن تسبب مشكلات مزعجة إذا ارتفعت نسبة الكحول في الدم؛ مثل عدم التركيز، فقدان التوازن، وصعوبة الحركة. كما أن تكرار هذه الأعراض يؤثر على الحياة اليومية للعمل أو القيادة. لذلك، عند الشك بالإصابة، يجب استشارة الطبيب للحصول على التشخيص الصحيح.
قد يطلب منك الطبيب لفترة مؤقتة الابتعاد عن الأطعمة الغنية بالسكريات والنشويات المكررة؛ مثل الحلويات، العصائر المحلاة، والخبز الأبيض. لكن لا توجد قائمة طعام ثابتة لكل المرضى، ويجب أن يكون النظام الغذائي جزءاً من خطة العلاج التي يحددها الطبيب خصيصاً لك.
تنقسم متلازمة التخمير الذاتي (أو ما تُعرف بمتلازمة تخمر الأمعاء - Auto-Brewery Syndrome) إلى عدة أنواع رئيسية، وذلك بناءً على مكان حدوث التخمير، أو السبب والنشأة، أو الكائن المسبب لها:
متلازمة التخمير المعوي: وهي النوع الأكثر انتشاراً، وتحدث داخل الجهاز الهضمي (المعدة، الأمعاء الدقيقة، أو الغليظة) نتيجة زيادة نمو الكائنات الدقيقة التي تحول الكربوهيدرات إلى كحول يمتصه الدم.
متلازمة التخمير البولي (المثاني): نوع فرعي ونادر يحدث عندما تستقر الفطريات أو الخمائر في المثانة، وتتغذى على السكريات الزائدة في البول (مثل حالات مرضى السكري)، مما ينتج كحولاً يظهر في تحاليل البول.
متلازمة التخمير الذاتي الأولية: وغالباً ما ترتبط بخلل مستقل ومزمن في بكتيريا الأمعاء أو عوامل فطرية، دون وجود مرض عضوي خطير سابق يسببها بشكل مباشر.
متلازمة التخمير الذاتي الثانوية: وتحدث بسبب الإصابة بأمراض أخرى تؤثر على مناعة الجسم أو حركة الأمعاء، مثل:
أمراض الكبد: (مثل تشمع الكبد أو الكبد الدهني)، حيث يضعف الكبد ولا يستطيع تكسير حتى الكميات القليلة من الكحول التي تنتج طبيعياً.
متلازمة الأمعاء القصيرة أو جراحات السمنة: بسبب التغير في طريقة هضم ومرور الكربوهيدرات.
المتلازمة المرتبطة بالفطريات والخمائر: وتنتج عن تكاثر مفرط لأنواع معينة من الفطريات؛ مثل خميرة البيرة أو فطريات المبيضات (الكانديدا).
المتلازمة المرتبطة ببكتيريا الأمعاء: أثبتت الدراسات الحديثة أن بعض أنواع البكتيريا تلعب دوراً أساسياً في التخمير وإنتاج الكحول داخل الأمعاء؛ مثل بكتيريا الكليبسيلا الرئوية وبعض سلالات البكتيريا المعوية.
تحدث هذه المتلازمة (Auto-Brewery Syndrome) نتيجة اختلالات معقدة في الجهاز الهضمي تؤدي إلى تحويل الكربوهيدرات والسكريات إلى كحول (إيثانول) داخلياً وبكميات تفوق قدرة الجسم على التخلص منها.
وتعود الأسباب والعوامل الرئيسية إلى ما يلي:
السبب المباشر والأساسي هو تكاثر كائنات دقيقة داخل الأمعاء تقوم بالتخمير الكحولي، وتشمل:
الفطريات والخمائر: مثل خميرة الخباز (Saccharomyces cerevisiae) وفطريات المبيضات البيضاء (Candida albicans)، وهي الأكثر ارتباطاً تاريخياً بالمرض.
البكتيريا المنتجة للكحول: أثبتت الدراسات الحديثة أن بعض سلالات البكتيريا تلعب دوراً رئيسياً في التخمير؛ مثل بكتيريا الكليبسيلا الرئوية (Klebsiella pneumoniae) وبعض أنواع البكتيريا المعوية.
يُعد الاستخدام المتكرر للمضادات الحيوية أحد أبرز العوامل المحفزة؛ فهي تقضي على البكتيريا النافعة وتترك فراغاً تتوسع فيه الفطريات أو البكتيريا المقاومة (مثل الكانديدا أو الكليبسيلا) لتفرض هيمنتها دون منافسة.
تساهم بعض الأمراض في تهيئة البيئة الملائمة للتخمير أو إضعاف تعامل الجسم معه، مثل:
مرض السكري والمتلازمة الاستقلابية: يؤدي ارتفاع السكر في الدم أو البول إلى توفير "وقود" وفير ومستمر للخمائر والبكتيريا لتنتج كميات أكبر من الكحول.
أمراض الكبد: مثل الكبد الدهني أو تشمع الكبد، حيث تضعف قدرة الكبد على تصفية حتى الكميات البسيطة من الكحول المنتجة طبيعياً، مما يؤدي لتراكمه في الدم.
اضطرابات حركة الجهاز الهضمي: مثل خروج المعدة المتأخر أو النمو الزائد للبكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO)، حيث يبقى الطعام فترة أطول، مما يتيح فرصة أكبر للتخمير.
جراحات السمنة (مثل تحويل المسار): تتسبب في تغير حركة الأمعاء وسرعة مرور الطعام، مما يؤدي لسوء امتصاص الكربوهيدرات ووصولها متراكمة إلى أجزاء تحدث فيها التخمرات الشاذة.
متلازمة الأمعاء القصيرة: والتي تؤدي إلى تخمر الكربوهيدرات غير الممتصة بشكل مباشر بفعل الميكروبات.
الإكثار من تناول الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات البسيطة، السكريات، والنشويات المكررة (مثل المعجنات، الخبز الأبيض، والعصائر) يمثل الغذاء الأساسي والمحفز للخمائر لمضاعفة إنتاج الإيثانول.
الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة (بسبب أمراض مزمنة أو أدوية مثبطة للمناعة مثل الكورتيزون) تكون مقاومتهم الطبيعية للفطريات والتهابات الأمعاء منخفضة، مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة.
أعراض متلازمة التخمير الذاتي ؟
تتنوع أعراض هذه المتلازمة (Auto-Brewery Syndrome) وتتداخل مع حالات صحية أخرى، مما يجعل تشخيصها تحدياً طبياً. وتعود معظم هذه الأعراض إلى التأثير المباشر للإيثانول الداخلي على الجهاز العصبي وأجهزة الجسم المختلفة، وتشمل:
تظهر هذه الأعراض فجأة ودون تناول أي مشروبات كحولية، وتشمل:
تشوش الدماغ وعدم الوضوح الذهني: صعوبة في التركيز، بطء في عمليات التفكير، وضعف في الذاكرة قصيرة المدى.
الدوخة وفقدان التوازن: الشعور بدوار مستمر وصعوبة في الحفاظ على التوازن الجسدي أثناء المشي أو الوقوف.
التغيرات المزاجية الحادة: نوبات مفاجئة من القلق الشديد، الاكتئاب، العصبية المفرطة، أو تقلبات المزاج السريعة.
الصداع والشقيقة: الشعور بصداع مزمن ومتكرر يشبه صداع مخلفات الكحول (Hangover).
نتيجة تأثير الكحول المتولد داخلياً والإجهاد المستمر للجسم:
التعب والإرهاق المزمن: شعور مستمر بالوهن وضعف الطاقة العامة في الجسم بغض النظر عن عدد ساعات النوم.
الشعور الدائم بالثمالة أو التخدر: يشعر المصاب وكأنه تحت تأثير الكحول (حديث ثقيل، تلعثم أحياناً، وردود أفعال بطيئة) بعد تناول وجبات غنية بالكربوهيدرات أو السكريات مباشرة.
اضطرابات النوم: المعاناة من الأرق أو النوم المتقطع وصعوبة الاستغراق في النوم العميق.
تسبق أو تصاحب هذه الأعراض حالة التخمير نظراً لأنها ناتجة أصلاً عن فرط نمو الفطريات أو البكتيريا:
الانتفاخ والغازات الشديدة: شعور دائم بالامتلاء وضغط في البطن بعد الأكل.
تقلصات وأوجاع البطن: تشنجات معوية متفرقة.
الإسهال أو الإمساك المزمن: تذبذب في حركة الأمعاء وتغير عادات الإخراج.
الرغبة الشديدة في تناول السكريات والنشويات: نظراً لأن الكائنات الحية الدقيقة المتكاثرة تتغذى بشكل أساسي على السكر، فإن المريض يشعر برغبة ملحة وغير قابلة للسيطرة لتناول الحلويات والكربوهيدرات.
في حال تم إجراء اختبارات دورية أو فحص شخص يعاني من المتلازمة:
ارتفاع نسبة الكحول في الدم (BAC): تسجيل نسب كحول إيجابية في الدم أو التنفس دون تعاطي الكحول، وغالباً ما تترافق مع مشاكل قانونية محتملة أثناء القيادة.
ارتفاع إنزيمات الكبد: نتيجة الضغط المستمر على خلايا الكبد لمعالجة الكحول الداخلي المتولد باستمرار.
يُعد تشخيص هذه المتلازمة (Auto-Brewery Syndrome) تحدياً طبياً كبيراً نظراً لندرتها، وتشابه أعراضها مع مشاكل صحية وعصبية أخرى، فضلاً عن الحاجة لاستبعاد التعاطي الخفي للكحول. ويعتمد الأطباء على خطة تشخيصية متكاملة تشمل الخطوات الرئيسية التالية:
فحص الأعراض: يبحث الطبيب في السجل الصحي للمريض، مع التركيز على ظهور علامات "الثمالة أو السكر" المفاجئة، تشوش الدماغ، والإرهاق بعد تناول وجبات غنية بالكربوهيدرات.
نفي التعاطي الخفي للكحول: نظراً لأن المريض غالباً ما يُتّهم بتناول الكحول سراً (خصوصاً في المجتمعات التي تجرمه أو في سياق القيادة)، فإن شهادة أفراد العائلة والأقارب حول نمط حياة المريض تعد عنصراً هاماً لتأكيد التزامه بعدم الشرب.
يقوم الطبيب بطلب مجموعة من التحاليل الشاملة لاستبعاد وجود حالات مرضية أخرى تتشابه مع الأعراض أو تفسرها:
تحاليل الدم الشاملة ووظائف الكبد والكلى: لفحص معدلات السكر في الدم واستبعاد الإصابة بالسكري الكامن، وتقييم كفاءة الكبد في التعامل مع السموم.
فحص البراز (Stool Testing): للبحث عن وجود تكاثر مفرط للخمائر (مثل الكانديدا) أو الفطريات والبكتيريا في الجهاز الهضمي.
يُعد هذا الاختبار الخطوة الفيصلية أو التشخيصية الأهم لتأكيد الإصابة، ويتم وفق شروط صارمة وتحت إشراف طبي دقيق:
الشرط المسبق: يجب أن تكون نسبة الكحول في دم المريض أو نفسه صفراً تماماً قبل بدء الاختبار.
خطوات الاختبار: يتم إعطاء المريض جرعة محددة من الجلوكوز (حوالي 200 جرام غالباً) في بيئة مراقبة.
المراقبة: يتم قياس نسب الكحول في الدم أو النفس (عبر جهاز قياس نفس الكحول Breathalyzer) بانتظام على مدار عدة ساعات (مثل: بعد نصف ساعة، ساعة، ساعتين، وصولاً إلى 8 ساعات).
النتيجة الإيجابية: إذا ارتفعت نسب الكحول في الدم أو التنفس بشكل ملحوظ بعد تناول الجلوكوز وفي غياب أي مصدر خارجي للكحول، يُعتبر ذلك دليلاً قاطعاً على حدوث التخمير داخل الجسم.
في بعض الحالات المتقدمة أو التي يصعب تشخيصها، يلجأ الأطباء لإجراء منظار الجهاز الهضمي العلوي والسفلي:
يتم أخذ عينات من إفرازات المعدة، الأمعاء الدقيقة، أو القولون لزراعتها وتحليلها معملياً.
يهدف ذلك لمعرفة نوع الفطريات أو البكتيريا المحددة المسؤولة عن التخمير واختبار مدى حساسيتها لمضادات الفطريات.
يعتمد العلاج الدوائي لهذه المتلازمة (Auto-Brewery Syndrome) بشكل أساسي على القضاء على المسبب الرئيسي (سواء كان فطريات أو بكتيريا) بناءً على نتائج التشخيص، إلى جانب إعادة توازن بيئة الأمعاء من خلال الخطوات التالية:
بما أن النسبة الأكبر من الحالات تنتج عن فرط نمو الخمائر والفطريات (مثل الكانديدا أو خميرة البيرة)، فإن الأدوية المضادة للفطريات تُمثّل خط الدفاع الأول:
فلوكونازول (Fluconazole): الخيار الأول والأكثر شيوعاً لكفاءته العالية في امتصاصه وتوزيعه لاستهداف الفطريات داخل الأمعاء وخارجها.
أدوية بديلة أو مقوية: في حال عدم الاستجابة أو وجود سلالات مقاومة، قد يلجأ الطبيب لوصف بدائل أخرى مثل:
إتراكونازول (Itraconazole).
نيستاتين (Nystatin): يُستخدم غالباً لعمل تأثير موضعي داخل الأمعاء لقلة امتصاصه في الدم.
فوريليكونازول (Voriconazole) أو أمفوتيريسين بي (Amphotericin B) للحالات المعقدة أو الشديدة.
مدة العلاج: تستمر الدورات العلاجية عادة لفترة تتراوح ما بين عدة أسابيع (3 أسابيع فأكثر) أو حسب استجابة المريض وتحسن مستويات الميكروبات لديه.
إذا أثبت التشخيص المعملي (مثل اختبار نفس الهيدروجين أو مزارع البراز) أن البكتيريا (مثل سلالات الكليبسيلا) هي المسؤولة عن التخمير، يصف الطبيب مضادات حيوية موجهة لقتل تلك البكتيريا الضارة دون الإضرار بالنظم الحيوية الأخرى.
تحذير هام: يُستخدم المضاد الحيوي بحذر شديد وتحت إشراف دقيق، لأن الاستخدام العشوائي للمضادات هو المسبب الأساسي لنشوء المتلازمة أصلاً.
بعد القضاء على الكائنات المسببة للتخمر، يتم دعم الأمعاء لحمايتها من الانتكاس:
مستحضرات البروبيوتيك: وصف سلالات بكتيرية نافعة محددة (مثل Lactobacillus أو Bifidobacterium) للمساعدة في استعادة التوازن الطبيعي للميكروبيوم وطرد أي بقايا ضارة.
في حال فشل الأدوية التقليدية وتكرار انتكاس المريض:
زراعة الجراثيم البرازية (FMT): نقل كبسولات تحتوي على ميكروبيوم أمعاء سليم ونظيف من متبرع معافى إلى جهاز المريض الهضمي، بهدف "إعادة ضبط" الأمعاء ببكتيريا صحية تقضي نهائياً على بيئة التخمير.
لا تنجح الأدوية وحدها إن لم يتم ضبط المشاكل الصحية المرتبطة بالمرض، ويشمل ذلك:
أدوية ضبط السكر: لمرضى السكري لضمان عدم توفر "وقود سكري" فائض يغذي الفطريات.
أدوية حماية وتحسين وظائف الكبد في حال وجود أمراض كبدية مرافقة.
قاعدة علاجية موازية: لا يمكن للأدوية وحدها أن تحقق الشفاء الشامل إن لم تترافق بشكل صارم مع "حمية منخفضة الكربوهيدرات والسكريات المكررة" لمنع تغذية الفطريات المتبقية، مع تجنب الأطعمة المخمرة والمحليات الصناعية طوال فترة العلاج.
تنقسم العلاقة بين متلازمة التخمير الذاتي (Auto-Brewery Syndrome) والجراحة إلى اتجاهين رئيسيين: اتجاه يوضح كيف تؤدي بعض العمليات الجراحية إلى الإصابة بالمتلازمة، واتجاه آخر يتعلق بالتدخلات الجراحية النادرة المستخدمة في علاج الحالات المستعصية منها.
بعض العمليات الجراحية التي تغير التشريح الطبيعي للجهاز الهضمي وسرعة حركة الأطعمة قد تكون محفزاً رئيسياً لتطور المتلازمة (وتُعرف أحياناً بمتلازمة التخمير التلقائي المرتبطة بجراحة السمنة أو الأمعاء):
جراحات السمنة (مثل تحويل المسار - Gastric Bypass):
طريقة الحدوث: تتسبب هذه الجراحات في إعادة توجيه مسار الأمعاء وتقليل امتصاص العناصر الغذائية، مما يؤدي إلى وصول كميات كبيرة من الكربوهيدرات والسكريات غير المهضومة تماماً إلى أجزاء أعمق من الأمعاء الدقيقة أو الغليظة.
النتيجة: توفر هذه الكربوهيدرات المتراكمة بيئة مثالية وغذاء وفيراً للخمائر والبكتيريا لتتخمر وتحولها إلى كحول (إيثانول) يمتصه الجسم.
جراحات متلازمة الأمعاء القصيرة (Short Bowel Syndrome):
طريقة الحدوث: إزالة أجزاء واسعة من الأمعاء الدقيقة جراحياً يقلل من كفاءة هضم وامتصاص الكربوهيدرات.
النتيجة: تتخمر الكربوهيدرات المتبقية بسرعة فائقة بفعل الميكروبات، مما يرفع معدلات إنتاج الكحول داخلياً.
في الغالبية العظمى من الحالات، لا تُستخدم الجراحة كعلاج أساسي للمتلازمة، حيث يُعتمد كلياً على الأدوية المضادة للفطريات والحمية الغذائية. ولكن في الحالات المستعصية جداً التي لا تستجيب لأي علاج دوائي أو حمية، قد يلجأ الأطباء لإجراءات طبية دقيقة أو جراحات ترميمية محدودة:
جراحات تصحيح أو عكس مسار جراحات السمنة السابقة:
طريقة الإجراء: إذا كانت المتلازمة ناتجة بشكل مباشر عن مضاعفات عملية تحويل مسار سابقة وأثبتت الفحوصات استحالة السيطرة على التخمير، قد يقرر الجراح إجراء عملية تصحيحية لإعادة الأمعاء إلى وضع شبيه بالطبيعي أو تعديل الوصلات الجراحية لتقليل ركود الطعام وتخمره.
استئصال أو علاج الانسدادات والجيوب المعوية:
طريقة الإجراء: في حال أظهر التنظير وجود عوائق تشريحية أو جيوب في الأمعاء تسبب بطء حركة الطعام وتجمع البكتيريا (مثل حالة النمو الزائد لبكتيريا الأمعاء الدقيقة المستعصي SIBO)، قد تُجرى جراحة بسيطة لإزالة هذه الجيوب أو توسيع التضيقات المعوية لتسهيل حركة الهضم ومنع بيئة التخمير.
بدلاً من الجراحات الكبرى المعقدة، يفضل الأطباء اللجوء لإجراءات طبية متقدمة لإعادة ضبط الأمعاء:
زراعة الجراثيم البرازية (Fecal Microbiota Transplantation - FMT):
طريقة الإجراء: يتم إدخال كبسولات تحتوي على ميكروبيوم أمعاء صحي وسليم (عبر المنظار أو كبسولات عن طريق الفم مأخوذة من متبرع سليم)، بهدف طرد البكتيريا والفطريات المنتجة للكحول وزرع فلورا معوية طبيعية تقضي على المشكلة من جذورها دون تدخل جراحي غازي.
الوقاية من متلازمة التخمير الذاتي ؟
تعتمد الوقاية من هذه المتلازمة (Auto-Brewery Syndrome) بشكل أساسي على حماية توازن ميكروبيوم الأمعاء، ومنع الفطريات أو البكتيريا الضارة من التكاثر والتحول إلى مصانع صغيرة لإنتاج الكحول. وتشمل الإجراءات الوقائية ما يلي:
تبدأ الوقاية من نوعية الطعام الذي تدخله إلى جسمك، نظراً لأن الكربوهيدرات هي الوقود الأساسي للتخمير:
تقليل السكريات البسيطة والنشويات المكررة: تجنب الإفراط في تناول الحلويات، العصائر المحلاة، المشروبات الغازية، الخبز الأبيض، والمعجنات المصنوعة من الدقيق المكرر، لأنها الغذاء المفضل للخمائر والفطريات.
التركيز على الأغذية الغنية بالألياف: تناول الخضروات الورقية، الحبوب الكاملة، والبروتينات الخالية من الدهون، والتي تدعم صحة الأمعاء وتغذّي البكتيريا النافعة.
الحد من الأطعمة المخمرة مؤقتاً عند وجود خلل: في حال شعور الشخص ببدء اضطرابات معوية، يُفضل الابتعاد بحذر عن الأطعمة المخمرة (مثل المخللات، الأجبان المعتقة، والخمائر المضافة) حتى تستقر بيئة الأمعاء.
يُعد سوء استخدام المضادات الحيوية المسبب الأول والأبرز لبيئة التخمير:
عدم تناول المضادات الحيوية دون وصفة طبية: لا تستخدم المضادات الحيوية أبداً لنزلات البرد أو العدوى الفيروسية، لأنها لا تفيد فيها بل تقضي على البكتيريا النافعة في الأمعاء.
إكمال الجرعة بحذر وتحت إشراف طبي: عند الاضطرار لتناول مضاد حيوي بوصفة طبية، احرص على تناوله بالجرعة والمدة المحددة تماماً دون زيادة أو نقصان.
دعم الأمعاء بالتزامن: غالباً ما يُنصح بتناول مكملات البروبيوتيك المناسبة أثناء أو بعد فترة العلاج بالمضادات الحيوية (بعد استشارة الطبيب) لتعويض البكتيريا النافعة المفقودة.
بما أن بعض الأمراض تفتح الباب أمام تفاقم المتلازمة، فإن السيطرة عليها تُعد وقاية صارمة:
ضبط سكر الدم بانتظام: الأشخاص المصابون بمرض السكري معرضون أكثر لخطر التخمير نظراً لارتفاع الجلوكوز الذي يغذي الفطريات؛ لذا فإن الحفاظ على توازن السكر ضمن المعدلات الطبيعية يحميهم وقائياً.
متابعة صحة الكبد: الحفاظ على صحة الكبد وتجنب إجهاده بالسموم أو الأدوية غير الضرورية يضمن بقاء كفاءته عالية في تصفية أي نسبة كحول داخلية ضئيلة قبل ظهور أعراضها.
الوقاية من الإمساك وبطء الهضم: شرب كميات وفيرة من الماء يومياً وممارسة الرياضة بانتظام يساعدان في تحسين حركة الأمعاء الدقيقة والغليظة، ومنع ركود الطعام والفضلات التي توفر بيئة حاضنة للتخمير.
معالجة متلازمة النمو البكتيري (SIBO) مبكراً: في حال المعاناة المستمرة من الانتفاخات والغازات الحادة، يجب مراجعة الطبيب لعلاج أي تكاثر بكتيري في مهده قبل أن يتطور إلى حالات تخمر معقدة.